مقالات

أوطان وأثمان

في كل البلدان وفي ثقافات كل الشعوب، وحتى تلك التي لم تصل إلى مرحلة المدنية بعد، هناك عامل واحد متجذر في ثقافاتها جميعاً ألا وهو شرف الدفاع عن الوطن أو المدينة أو القرية أو القبيلة. والمسافر في أركان الأرض جميعاً يكتشف أن كلّ الثقافات تخلّد ذكر من دافع عن أرضه وحمى عرضه وضحىّ كي يسود الأمن والأمان لأبناء هذه الأرض ومستقبل أجيالها. حين زرت قبيلة الطوارق في الجنوب الجزائري سمعت روايات من الجدات اللاتي قرعن الطبول كي يخرج الرجال إلى محاربة الاستعمار الفرنسي وعن الشهداء الذين ضحوا في تلك المعارك وبسالة الآخرين في الدفاع عن حمى القبيلة وترابها وأهلها. وحيثما تنقلت في الأمصار تسمع تمجيد ذكر هؤلاء الذين ضحوّا من أجل بلادهم والشرف الذي يحوز عليه أبناؤهم وأحفادهم نتيجة هذه التضحيات وتسمع أو تقرأ بالمقابل قصص الذلّ والعار عن هؤلاء الذين تواطؤوا مع المستعمر أو الخصم الذي يستهدف بلدانهم. ولدينا في الجزائر وجنوب إفريقيا مثالان عاشهما جيلنا ومازلنا نقرأ عن نتائج هاتين الحربين التحريريتين من دنس المستعمر والعنصرية. إذ مازال أحفاد المناضلين والمناضلات يورثون العز لأحفادهم في حين أحفاد المتواطئين في ذلّهم يعمهون.

بعد كلّ ما قدّمه التاريخ من دروس واضحة لا لبس فيها تستمر عملية بيع الأوطان والوقفة الذليلة أمام الخصم المثقلة بدماء الشهداء وآهات الأمهات الثكالى ودموع الأطفال الذين اشتاقوا لآبائهم الذين سفك دماءهم المضيف ومازال يرسل السلاح والمال من أجل استمرار حربه الاستنزافية والتي تخدم أشرس مخططات الصهيونية ضدّ أوطاننا ومقدساتنا ومستقبل أجيالنا.

المعضلة هي التصادم بين الثابت الذي بدأنا حديثنا به والذي هو ثابت في كل دول العالم وبين شبه ثقافة خُلقت خصيصاً من أجل تحقيق هذه الأغراض وهي للتصدير فقط وممنوع استخدامها في البلد ذاته، شبه الثقافة هذه تندرج تحت عبارة أميركية اخترعت خصيصاً لتجنيد العملاء وهي أن «كل شخص له ثمن» وبهذا فهم وأتباعهم لا يألون جهداً في تبديل وتغيير وتصعيد الأثمان إلى أن تقع الضحية في الفخ الذي نصبوه لها وإذا لم ينجحوا لسبب أو لآخر حاولوا الاستهداف بالقتل أو الاغتيال. مقابل تلك الشبه ثقافة لابُدّ من تعزيز وتطوير وترسيخ مفهوم الوطنية والتضحية والفداء، ولابُدّ من أن يُثبت للعالم أجمع أن هناك أشخاصاً لا ثمن لهم سوى حرية ومصلحة أوطانهم.

في أعقاب هذا المخاض الصعب الذي خاضته بلداننا وفي أعقاب كلّ الأثمان التي دفعها شعبنا الصامد في سبيل تراب هذه الأرض لابُدّ من أن تكون المفاهيم واضحة وضوح الشمس والثوابت ناصعة لا غبار عليها إلا وهي أن الأوطان لا أثمان لها وأن حاملي لواء هذه الأوطان والمدافعين عن حريتها وكرامتها لا ثمن لهم ولا شيء يساوي دماءهم وتضحياتهم. وأما من يمكن تحديد سعره من قبل خصم أو عدو أو أي طرف آخر ولأي سبب يحاول اصطناعه أو اختلاقه فلا علاقة له بكرامة الأوطان وعزتها ومستقبل أجيالها. إن ثمن التضحية من أجل البلاد هو العزّ والرفعة وثمن الانقياد وراء البترودولار ووراء حسابات البنوك ومصادر الدخل هو الخزي والعار للحاضر والمستقبل. هذه هي ثوابت التاريخ التي لا مغيّر لها. ها هو العالم اليوم يستقبل أحفاد أليندي ونيلسون مانديلا وغيفارا وجمال عبد الناصر فأين هؤلاء، الذين استهدفوهم واعتلوا المناصب على أجسادهم وظنوا حينئذ أنهم منتصرون؟ كل التهويل الإعلامي الذي يعمون به البصر والبصيرة لن يصمد أمام حقائق التاريخ وسيكون الحكم للحق ومصلحة الأوطان فقط. «وأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». البعض منخرطون في لعبة هي زبد ووهم وعار وعاجزون عن أن يرتقوا إلى مستوى مصلحة الأوطان. ولكن التضحيات والمواقف الصادقة الحازمة من قبل الشعوب وحلفائها المخلصين هي وحدها التي سوف تضع المستقبل وتمجّد البطولات والتضحيات وتسجّل الخزي والعار للمتواطئين الذين باعوا ضميرهم وأوطانهم بحفنة من أوراق اسمها دولارات. في تربيتنا وثقافتنا تعلمنا أن هناك الكثير من الأشياء التي لا تقدّر بثمن. يتصدر هذه القائمة الوطن والضمير الحرّ والعمل الصادق المخلص من أجل القضايا الكبرى والمشرّفة. ستبقى هناك مواقف لا تقدّر بثمن وسيبقى الإخلاص للوطن دائماً وأبداً القيمة العليا لدى أبناء البشرية جمعاء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى