مقالات

الاحتواء كشكل من أشكال الصراع على المستقبل

في 15 أيار 2016 نشرت جريدة الحياة الفلسطينية رسالة قالت إنها حصلت عليها بشكل حصري من قائد حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي موجهة إلى اللقاء الخاص لمنظمة الإخوان المسلمين الدولية الذي عقد في إسطنبول في نيسان الماضي قال الغنوشي فيها: «لا توجد أسباب صحية منعتني من الحضور، ولكن يوماً بعد يوم أجد أسباب تباعدنا. أنا مسلم تونسي وتونس هي بلدي، وأعتقد أن الوطنية أمر مهمّ وجوهري وحاسم، ولن أسمح لأي أحد بأن يجردني من هويتي التونسية. لن أسمح أبداً بهجوم على تونس، ولا حتى من هؤلاء الذين يشاطرونني الرسالة ذاتها. أعلن الآن أمامكم أن هويتي التونسية هي أهم وأعظم شيء في حياتي، ولا أريد لتونس أن تتحوّل إلى مثيلة جارتها ليبيا أو إلى مثيلة العراق الأبعد جغرافياً».

واستمرّت الرسالة بعد ذلك لتذّكر حركة الإخوان المسلمين كيف وعدت أن مصر وسورية واليمن سوف تصبح نماذج للحكم، وكيف أن الحركة ساهمت ببناء أحلام وخيالات وتجاهلت الشعوب ومقدراتها وأحلامها، وذكّر بأن الحركة اقترفت أخطاء في تونس، وأنّ الشعب التونسي حمّلهم المسؤولية، ودعا الحركة أن تترك كلّ بلد لأهله وسكانه بغضّ النظر عن النتائج، وأعلن أن النهضة تعلّق عضويتها في حركة الإخوان، وأنّه بعد قراءة هذه الرسالة سينسحب الوفد التونسي من اللقاء ويعلن تعليق حضوره أي لقاءات أخرى.

رسالة الغنوشي هذه مهمة جداً على أكثر من صعيد؛ فهي تبرهن على أن حركة الإخوان المسلمين، التي يهيمن عليها أردوغان، مسؤولة عن تخطيط وتنفيذ ما أطلق عليه اسم «الربيع العربي»، الذي جلب الويلات والدمار والطائفية والتفرقة لأمة لا إله إلا الله. وهي مهمّة لأنها تثبتُ أن ما جرى في هذه البلدان لم يأخذ بعين الاعتبار طموحات شعوب هذه المنطقة ومصالحها. وهي مهمّة لأنها تثبت أن الحركة تفرض على أعضائها برنامجها بغضّ النظر عن مصلحة البلدان التي ينتمون إليها، لا بل، وفي معظم الأحيان، في تناقض صارخ لمصلحة الشعب والبلد الذي ينتمون إليه. وهي مهمّة لأنها تعتبر المؤشر الأول لصحوة ضمير الوطن في تونس، لأنهم أعادوا النظر بالأولويات، وقرّروا التراجع عن الخطأ لما فيه مصلحة بلدهم وشعبهم، وهذه تحسب لهم لأن التراجع عن الخطأ فضيلة. وهي مهمّة أيضاً للقياس عليها؛ إذ يتساءل أُناس كثر في سورية على سبيل المثال، ولا شكّ أن التساؤل نفسه مطروح في العراق واليمن وليبيا ومصر، كيف يمكن لأي سوري ترعرع في ربوع هذه البلاد أن يطلب من قوّة أجنبية قصف بلاده، وكيف يمكن لأي سوري أكَلَ وشَرِبَ من خيرات هذه البلاد أن ينضمّ إلى عصبة إقليمية في صحراء مقفرة، ويتاجر بأمن بلاده وحياة أبناء هذه البلاد، ويدّعي أنه يعمل من أجل خيرهم، على حين يرى أدواته وأدوات أسياده تسفك دماء مئات الآلاف من حلب إلى الزارة إلى دير الزور والحسكة ودرعا ودمشق؟! هذه الرسالة تكشف أن انتماء هؤلاء الإخوان الإرهابيين لم يعد للأرض التي أنجبتهم، بل للعقول الشريرة التي تسيّرهم من وراء البحار والتي أثبتت ومنذ نشأتها أنها تتقاطع مع الصهيونية العالمية والاستخبارات الدولية التي تستهدف بلداننا كما كتب عدد من أفرادها بعد أن غادروا وعلى رأسهم ثروت الخرباوي، وكما يعترف علناً مخططو الجحيم العربي أنفسهم أمثال ليفي وكلينتون وغيرهم الكثير.

يتزامن توقيت هذه الرسالة مع نتائج اجتماع مجموعة فيينا، الذي أقلّ ما يُقال فيه، أنه حاول احتواء الأزمة في سورية، والحديث عن هدنة ومساعدات بإصرار من الولايات المتحدة بدلاً من اجتثاث الإرهاب، التي لم تعد تخفي تورّطها في إدارة وتدريب وتمويل مجموعات إرهابية دولية عديدة، وهي بذلك ترفض إعادة الأمن والأمان للشعب السوري. وها هو جون كيري يصرّح في بروكسل في 19 أيار أن المجموعة الدولية تقدّم دعمها لتعزيز الهدنة وضمان دخول المساعدات، وأنّ هذا سيزيد من عزلة «داعش» ويشكّل أساساً لإنهاء الحرب. وهذا كلام لذرّ الرماد في العيون، وهو يعني محاولة احتواء الحرب وإطالة أمدها، لأن المطلوب ليس عزل «داعش» وتعزيز الهدنة كي ينعم الشعب السوري بالأمان، بل المطلوب هو التعاون لاجتثاث الإرهاب كلّه بمن فيه العصابات التي تديرها مخابرات بلاده والسعودية وقطر وتركيا، وفرض تطبيق قرار مجلس الأمن 2253، الذي يحظّر على الدول تسهيل مرور الإرهابيين وتمويلهم وتسليحهم. كلّ هذه التطورات تأتي في سياق صراعات إقليمية ودولية تعمل الولايات المتحدة ودول الناتو على احتوائها بدلاً من حلّها لأن الصراع هو حول شكل المستقبل وحول هوية المنطقة والعالم. فرغم ضعف الغرب وانحسار قوته الاقتصادية مازال يعمل بشكل دؤوب لتحويل دول العالم إلى صورة عنه، ومناطق نفوذ حصرية له. فالانفتاح على كوبا جاء ضمن برنامج الولايات المتحدة لإعادة دول أميركا الجنوبية لتكون حديقة خلفية لها. وها هي الأحداث في البرازيل وفنزويلا والأرجنتين تُري أن خطط الولايات المتحدة الإستراتيجية تقوم على استعادة هذه القارّة إلى منطقة نفوذها، ومن أجل ذلك لا بدّ من اختراق العصب الذي كان منارة لدول أميركا اللاتينية والحركات التحررية فيها ألا وهي كوبا. إذ إن الأسلوب الجديد هو الاختراق من الداخل وبأقلّ التكاليف الممكنة، وهو حيث أمكن ذلك، الدخول من باب نشر الديمقراطية، أو إدخال التكنولوجيا، أو الاهتمام بالشباب، أو إعطاء نماذج عيش أفضل، أو حماية الأقليات، أو حقوق المضطهدين، أو أي ذريعة تساهم في جعل البلد المعني منطقة نفوذ تابعة للغرب وخاضعة لأجنداته على حساب مصالح وحياة ورفاهية الشعوب في بلدانها، وإلا فإن سلاح الإرهاب ستستخدمه مخابراتها ضدّ شعوب هذه البلدان.

سياسة الاحتواء، وسياسات التغيير الناعمة نابعة من دراسات إستراتيجية في الغرب تعتبر استقلال الإرادات وثقافة المقاومة أشدّ خطراً على إسرائيل والغرب من «داعش» والإرهاب. فها هو عامس يادلين، رئيس المخابرات العسكرية سابقاً ومدير مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي يكتب بتاريخ 19 أيار 2016: «لا بدّ من التذكير بأن إيران وحلفاءها يشكّلون خطراً على إسرائيل يساوي عشرة أضعاف «داعش»، ولذلك يجب خلق تحالف إقليمي مع العالم السنّي على رأسه السعودية ودول الخليج وتركيا والأردن ومصر من أجل إضعاف إيران، وإبعاد الأسد عن الحكم، وإضعاف حزب الله»، ويضيف: «ويمكن تسخير هذه الدول في إجراءات جوهرية بهدف تحقيق هذه الأهداف بالمشاركة مع الولايات المتحدة، ويدعو إلى سياسة إستراتيجية ضدّ المحور الراديكالي، وفي المقدمة تبديل الأسد ونظامه».

إذاَ وبعيداً عن كلّ الضجيج والتشويش الإعلامي، تعمل إسرائيل والغرب وحركة الإخوان المسلمين والخليج وتركيا والأردن وبلدان عربية أخرى على احتواء حروب الإرهاب، ومن ثمّ حسمها ضدّ محور المقاومة وإنهاء ثقافة المقاومة بنشر الطائفية والعرقية، وضدّ استقلال إرادة الدول. هدف الحروب على سورية والعراق واليمن وليبيا وتونس هو إعادة الاستعمار بشكل جديد وكلّ من يساهم في هذه الحرب ضدّ بلده وشعبه، تحت أي مسمى كان، هو من أعوان الاستعمار وأعداء الوطن والشعب والعروبة والمستقبل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى