مقالات

التاريخ يعيد نفسه

د. بثينة شعبان

لقد بدا واضحاً منذ بداية الحرب على سورية الاستهداف التركي لكلّ منشآتنا الحيوية والتعاون مع الإرهابيين الذين اتخذوا من تركيا ملاذاً ومن ثمّ معبراً لكلّ مناحي أراضي الجمهورية العربية السورية وعاثوا فيها فساداً وتدميراً.

ولو افترضنا أن سورية لا تتشارك مع تركيا بحدود طولها أكثر من 800 كم، لصعب علينا أن نتخيل كيف يمكن لكلّ هؤلاء الإرهابيين أن يصلوا إلى الأراضي السورية ومعهم كلّ هذا السلاح المجرم الذي استخدموه ضد البشر والحجر.

وبسبب المراوغة والنفاق التركيين وتبني أردوغان لخونة سوريين أصبحوا رهن إشارته في مخططه الخطر ضد الجمهورية العربية السورية، فلم تكن الصورة واضحة تماماً أن هذه الحرب الإرهابية على سورية هي بمنزلة غزو تركي لسورية ولكن بأدوات غير تركية.

ولكن بعد سنوات من الحرب وانتصار الجيش العربي السوري وحلفائه على معظم الإرهابيين في البلاد، اضطر أردوغان لأن يدخل جيشه وعتاده لاستكمال ما بدأه الإرهابيون والاستفادة ممن تبقى منهم تحت إمرته في محاولة لاستكمال مخططه الهادف إلى تنصيب الإخوان المسلمين على الأقل كشركاء في الحكم في سورية ومصادرة قرارها المستقل واستخدام المال القطري لاستكمال مشروعه ضد سورية والعراق وليبيا وأبعد من ذلك بالتأكيد.

وقد عمل أردوغان على جبهات متعددة وبالتوازي؛ ففي الوقت الذي احتضن من أسماهم المعارضة حيث أقاموا مؤتمرهم الأول في إسطنبول كان يمرّر إرهابيين من كلّ أصقاع الأرض ليفككوا المعامل السورية ويقصفوا المدارس والبنية التعليمية والصحية ومحاولة العبث بكلّ مقومات صمود الشعب السوري، وفي هذه الأثناء أقام قواعد عسكرية تركية في أكثر من مكان على الأرض السورية وهي قواعد احتلال وعدوان، وفي الوقت ذاته استمرّ يراوغ في أستنة ويتنصّل من كلّ الالتزامات التي فرضتها عليه اتفاقيات أستنة وسوتشي مع إبقاء علاقته مع الناتو والولايات المتحدة تتأرجح بين الالتزام حيناً، واستخدام موقعه هذا لمصلحة أطماعه في العراق وسورية وليبيا، والعمل الدؤوب من أجل إعادة السلطنة العثمانية إلى الوجود حيناً آخر.

وبالتزامن مع هذه المخططات المتشعّبة والتي تهدف إلى تنصيبه سلطاناً على حدود السلطنة العثمانية القديمة، والسعي المستمر ليكون الأب الروحي للإخوان المسلمين سواء في المنطقة العربية أم في أوروبا أو شرق آسيا ،عمل على تهجير السوريين من ديارهم ودفع لهم الأموال كي يغادروا مناطق الشمال والشمال الغربي إلى تركيا؛ فخلق مشكلة اللاجئين التي أخذت تتفاقم منذ الأيام الأولى للعدوان على سورية حيث كان يقدّم المغريات لأبناء إدلب والشمال الغربي، ومنح الآلاف منهم الجنسية التركية وأخذ يستخدم هذه الورقة لابتزاز أوروبا بعد أن أعاد ترتيب أوراقه؛ إذ لم يعد من ضمن أولوياته الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بل اقتناص الثروات من البلدان العربية وبناء إمبراطورية إخوانية تخشاها أوروبا والعالم. وبعد أن احتلّ أجزاء عزيزة من سورية بقوة السلاح، بدأ بسياسة التتريك للمناطق السورية في الشمال الغربي، وأيضاً التحكّم بمياه نهر الفرات وبناء السدود عليه كي يحرم سورية والعراق من حصتهما الحيوية من هذا النهر، وبذريعة مكافحة الإرهاب، والذي هو من صنعه في سورية والعراق وليبيا، ويقصف المدن السورية والعراقية ويستمرّ في غيّه؛ تماماً كما فعل هتلر في النصف الأول من القرن الماضي، ولم تستفق أوروبا على خطره إلا بعد أن دخل الاتحاد السوفييتي آنذاك في الحرب على هتلر وتوسّعه في أوروبا والعالم.

اليوم يواجه العرب جميعاً، بمن فيهم هؤلاء الذين يمولون حروبه بسخاء، خطراً داهماً اسمه الخطر التركي الذي يستهدف أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج، وبهذا يستكمل مشروع أردوغان في بلادنا العربية المشروع الصهيوني الذي دقّ إسفيناً في قلب الأمة العربية، ويأتي اليوم أردوغان ليكون مشروعه العثماني الإخواني استكمالاً للاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وليشكّل تهديداً للعروبة وللقومية العربية في كل أقطار الوطن العربي.

الآن فقط بدأ بعض الرؤساء الأوروبيين يتحدثون عن خطر أردوغان على المنطقة وعلى ثرواتها؛ إذ كما كانوا متأخرين جداً في تشخيص حالة هتلر، وحاولوا استرضاءه وحلّ القضايا العالقة من دون حرب، لكنهم اضطروا في النهاية إلى خوض حرب عالمية ثانية لعب الاتحاد السوفييتي دوراً أساسياً في هزيمة هتلر وتحرير البلدان الأوروبية من دنسه، يبدواليوم أنهم متأخرون جداً في تشخيص خطر أردوغان على أوروبا والوطن العربي والعالم برمته.

اليوم التاريخ يعيد نفسه برجل اسمه أردوغان، فهو ذو أطماع واسعة وحلمه الأساسي هو احتلال الأراضي التي كانت توجد فيها السلطنة العثمانية وتنصيب الإخوان المسلمين حيثما تمكن في سدة الحكم، وفي هذا التوجّه الذي يرأسه أردوغان وفي كلّ المخططات التي يسعى جاهداً لتحقيقها إعادة للتاريخ الذي تسبب به هتلر في أوروبا، وتوجيه خلايا الإسلاميين من زعيمهم الأهم والذي هو أردوغان. ولاشكّ أنه يستخدم المواربة والكذب وتضليل الشعب التركي أولاً والشعب العربي والأوروبي ثانياً. علينا أن نتنبّه إلى هذا الخطر الداهم وأن نعيَ مخططاته وإستراتيجيته لا أن نحاول تفسير كل خطوة يقوم بها بمنأى عن إستراتيجيته العثمانية والإخوانية.

من الأولوية بمكان ان يتنبّه العرب جميعاً إلى أن خطر أردوغان عليهم وعلى مياههم وسبل عيشهم لا يقلّ خطورة عن خطر العدو الصهيوني؛ فالاثنان يحتلان الأرض ويؤمنان أن لهما الأحقية في هذه الأرض على حساب الشعب العربي وهويته وتاريخه في مختلف أقطاره.

لأردوغان جنود إخوانيون وعثمانيون منتشرون في الدول الأوروبية ودول آسيا، ولابدّ من مواجهة خطره بالتكاتف بين الدول العربية المتضررة والمستهدفة في تحقيق حلمه العثماني. هذه هي اللحظة التي يجب فيها على العرب جميعاً التنسيق حول هذا الموضوع مهما كانت الخلافات بينهم حول الموضوعات الأخرى، لأن إستراتيجية أردوغان تماماً كالإستراتيجية الصهيونية تشكّل خطراً على العرب جميعاً؛ فهو ضالع في احتجاز نهر الفرات ليلحق الضرر بسورية والعراق، كما أنه ضالع مع أثيوبيا والصومال في بناء السدود التي تحرم مصر من جزء كبير من ثرواتها المائية. علينا أن ندرس مخططات أردوغان على خريطة واحدة تماماً كما يتصرف هو ضمن إطار واحد ومن أجل هدف واحد، وأن نلغي من حساباتنا كلّ الأكاذيب التي يطلقها حول القدس والقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني؛ إذ إن كلّ المؤشرات والدلالات تؤكد مخططاً خطراً يعمل أردوغان على تنفيذه، والعرب والأوربيون في غفلة من الزمن.

علينا جميعاً أن ندقّ ناقوس الخطر وأن نقرأ خطوات أردوغان ضمن هذا السياق وليس كخطوات متفرقة لا علاقة لإحداها بالأخرى. قد يكون كلّ ما عشناه من حرب ودمار هو المقدمة فقط لصراع طويل يستهدف الأرض العربية وثروات العرب والهوية الحضارية العربية في أكثر من بلد عربي؛ فهل من مجيب؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى