مقالات

الصحوة!

في الأول من آب وبعد أن قام الرئيس التونسي قيس سعيد بحركته التصحيحية في تونس والتي قضت بانتهاء سطوة الإخوان المسلمين على البرلمان والقرار التونسي، التي كان منها إرسال الآلاف من الشباب التونسي المغرّر بهم دينياً للمشاركة في الحرب الإرهابية التي شنتها الدول الغربية بتمويل سعودي- خليجي على سورية، حينها كتبتُ في هذا المجال مقالي الأسبوعي بعنوان «أول الغيث تونس» انطلاقاً من قناعتي أن حسّ الجماهير وميزانها الدقيق هو المنتصر في النهاية وأنه مهما تحمّلت الجماهير من تجاوزات وحيف وجور فإنها وفي لحظة ستعيد الأمور إلى نصابها وتعيد وضع المسار برمته في خدمة الشعب الذين هم أصله وغايته.

ولم يكن أحد يتوقع أن المغرب سوف تلحق بتونس بهذه السرعة وإن يكن بطريقة مختلفة لا تقلّ أهمية في البرهان على أن الحس الشعبي لا يخطئ وأن الذاكرة الجمعية هي الحَكم في النهاية لأنها هي الأذكى والأبقى مهما توهّم الحكام والمتسلطون الخانعون أمام الضغوط المعادية للعرب أنهم يتفوقون على الشعب بمقدراته فإن الشعب الحقيقي الملتصق بأرضه وترابه وتاريخه هو الحَكَم الأدق وهو الصانع الحقيقي للتاريخ، وويل لكلّ من يجهل أو يتجاهل هذه الحقيقة أو يحذو حذو فرعون في الاستكبار والطغيان ويتعالى لدرجة يظن فيها أنه «أنا ربكم الأعلى».

من هذا المنطلق فقد كان مفهوماً تماماً ما جرى في الانتخابات المغربية والهزيمة التي مني بها حزب العدالة والتنمية المغربي وهو حزب التطبيع والذي دعم الإرهاب بإرسال آلاف المغاربة للمشاركة بقتل أشقائهم في سورية؛ إذ وجدت أنه من المستغرب جداً وربما من المستهجن أن تعلن الأمانة العامة للحزب الذي فاز فقط باثني عشر مقعداً في البرلمان بعد أن كان يشغل مئة وستة وعشرين مقعداً في الانتخابات الماضية أن تعلن «إن النتائج غير مفهومة وغير منطقية وأن هذه النتائج لا تعكس حقيقة الخريطة السياسية في البلاد ولا موقع الحزب»، والسؤال هو: موقع الحزب في أنظار من؟ في أنظار قادة هذا الحزب والقائمين عليه أم في أنظار السواد الأعظم من القاعدة الشعبية التي قالت كلمتها المدوية في هذه الانتخابات؟ وللتأكيد بأن النتيجة كانت مقصودة ومدروسة ومنطقية فإن نسبة المشاركة في هذه الانتخابات قد ارتفعت من 43 بالمئة في الانتخابات الماضية إلى 53 بالمئة في هذه الانتخابات؛ فهل هناك من هو مستعد أن يصغي إلى صوت الشعب بدلاً من أن يكتفي برؤية نفسه في المرآة ويظن أن دعم الغرب وأموال النفط هي الكفيلة بديمومة بقائه في السلطة؟

بطبيعة تكوينها لا تستطيع القوى الشعبية أن تحاسب كل يوم ولا لدى كل مفصل قد يكون مهماً جداً في نظر البعض لأن القوى الشعبية لها مساراتها ومواقيتها ومراحل نضج لا تستطيع أن تستعجل بها أو أن تؤخرها ولكنها تصدر أحكامها وفق الآليات المتاحة والتوقيت الذي يعبّر عن تراكم تقييماتها وعن التحول النوعي الذي أنتجته هذه التراكمات والتي ربما استغرقت سنوات وأحياناً عقوداً.

ولكن حين تنضج ثمرة وعي هذه القوى ويتأكد إحساسها بمواقع الخلل وتقرّر التوجه إلى مواطن الصواب لا يستطيع أحد أبداً أن يصمد أمام إرادتها في التغيير كما حصل في الثورات الشعبية من كوبا وفيتنام إلى إيران وجنوب إفريقيا. ولا يمكن لأحد أن يتهمها بالخطأ لأنها لا تخطئ فهي تمثل الضمير الجمعي الحيّ الحريص على الأوطان بعيداً عن مغريات السلطة ومكاسبها والاستقواء بالخارج والتي شغلت القادة الذين توهّموا أنهم يفوقون الشعب ذكاء وأنهم قادرون على تضليله والسير في برامجهم الخاصة لأنهم لا يحترمون وعي هذا الشعب ولا قدراته في التغيير ولا يعلمون أنه الأذكى والأقوى والأقدر على فرز الغث من السمين بسليقة عفوية صافية لا تشوبها المصالح ولا الارتهان للصغائر أو للخصوم والأعداء.

ولا شك أن خسارة حزب العدالة والتنمية المغربي في هذه الانتخابات دليل على انكشاف أمره أمام الشعب المغربي أنه كان يدغدغ مشاعرهم الدينية من دون رؤية أو برامج سياسية وأن هدفه كان السلطة ووسيلته الاستقواء بالعثماني والأميركي والإسرائيلي على حساب الشعب المغربي ومصلحته وتطلعاته الحقيقية المشروعة، وأنه لم يقدم برنامجاً وطنياً أو مغربياً عربياً أصيلاً يشكّل خريطة طريق ويقنع جماهيره أنه يكرّس نفسه وفكره للنهوض بهم وتحقيق مصالحهم. وفي هذا السقوط المدوي سقوط للعثمانية الجديدة وللتبعية وانتصار لنهج المقاومة والتحرير.

لقد بنى صنّاع الإخوان المسلمين من مخابرات بريطانية وتركية وأميركية ومؤخراً إسرائيلية، الربيع العربي على أساس تجنيد عملاء الإخوان في الداخل العربي وبثّ الفتنة المنهجية والطائفية لتمزيق وحدة العرب وتدمير قواهم الأساسية المواجهة للعدوان الغربي المتواصل على الأمة العربية منذ عقود، وها هو برنامجهم يسقط بشكل مدوٍّ في مصر وتونس والمغرب بعد أن سقط في سورية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وها هي الذاكرة الجمعية للشعب العربي في مختلف أقطاره تنتصر للسيادة والمقاومة ونهج الكرامة والتحرير والتصدي للعدوان الغربي على أمتنا العربية، كما تنتصر هذه الإرادة للعيش المشترك بين اتباع الديانات السماوية والتي خصّ اللـه عزّ وجل هذه المنطقة بها بعيداً عن فكر التعصب الكريه والإقصائي الذي يعمد الإخوان المسلمون إلى نشره.

وعلّ التزامن بالمصادفة بين نتائج الانتخابات المغربية والملحمة التي خطّها الأبطال الستة بصبرهم وأناتهم وذكائهم وملعقتهم الأسطورية، يبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أن الحرب هي حرب إرادة في النتيجة وحرب فكر وحرب أدمغة وحرب انتماء، وأن البقاء ولا شك هو للمنتمين الصابرين الصامدين الموقنين أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن الصبر والعمل يقودان ليس فقط إلى اجتراح نفق بما يشبه المعجزة، ولكن إلى الخروج من النفق رغم كل سطوة الاحتلال وجبروت آلياته وإعلامه واستبداده وبشاعة أساليبه ورغم خيانة العملاء والمندسين بين الصفوف والذين يشكلون الجرح الأكبر لهذه الأمة ونقطة ضعفها الأخطر.

إن الدرس الأول المستفاد من الملحمة التي سطرها هؤلاء الأبطال الستة هو التحرر الداخلي من سطوة الآلة الإعلامية الصهيونية والغربية التي تحاول ليل نهار أن تقنع الآخر أنه الضعيف وأنها تمتلك من أسباب القوة ما يجب أن يقنعه بعدم التفكير أبداً بتحديها لأنه الخاسر لا محالة.

ولو أتيح لنا أن نغربل الإعلام العربي ونصفّيه من كل الاختراقات التي تبيع الأوهام وتضخم من قدرة المعتدين وتضاعف قدراتهم في أذهان أبنائنا وشعوبنا، ولو أتيح لنا إعادة الناس إلى السريرة الصافية والقناعة الراسخة بأن الحق منتصر في النهاية إذا ما تمسكنا نحن به ودافعنا عنه وآمنا يقيناً بانتصاره وأن من يرتكب جرائم غير مشهودة في التاريخ بإرغام الفلسطينيين بهدم بيوتهم بأيديهم هو أدنى درجات المخلوقات ولا مستقبل له ولا لكيانه لا على الأرض ولا في أي مكان؛ لو أتيح لنا كل هذا لتمكنا من إعادة تربية الأجيال على الانتماء المحصّن والذي لا يمكن لأحد أن يخترقه.

كيف نجلس نحن العرب جميعاً في بيوتنا ومكاتبنا وقرانا ومدننا وهناك أكثر من ألفي أسير آمنوا بعروبتهم وقضيتهم ووضعوا أرواحهم على أكفهم في وجه أعتى احتلال واستيطان في العالم؛ أهُم المكبلون فعلاً أم نحن جميعاً المكبلون الذين لا ننتفض من أجلهم؟ أهُم الأسرى أم الإرادة العربية المرتهنة للإخوان المسلمين عملاء العثمانيين والصهاينة؟

بعد تونس والمغرب وبعد ملحمة الأبطال الستة وملعقتهم الفريدة حتى وإن أعاد العدو اعتقال بعضهم لا عذر لمن لا يثق أن المستقبل للشعب العربي الذي لا يستكين ولا يرتهن لإرادة المعتدي الغربي بل يبني وطنه لبنة لبنة رغم كل الصعوبات والمعوقات ويتحرر أولاً وقبل كل شيء من وهم قوة الآخر وضعفه هو؛ فليس هناك أقوى من مؤمن بالله والحق والوطن والمستقبل.

بعد تونس والمغرب ومصر وبعد صمود سورية واليمن وفلسطين ننتظر الصحوة الكبرى على امتداد هذا الوطن العربي الغني بمقدرات شعبه وحكمتهم التاريخية الأكيدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى