مقالات

المعركة الأهمّ بالانتظار.. إعمال الفكر

لقد شهدنا في الأيام الأخيرة انكسار عدد مهم من النظريات التي تمّ الترويج لها، ونشهد انبثاق واقع جديد يدفع إلى الأمل والتفاؤل. فانتصار الجيش العربي السوري وحلفاؤه في حلب شكل مفصلاً مهماً في الحرب على الإرهاب وعلى طريق استعادة سورية عافيتها ودورها الإقليمي والدولي. وتناغمت حلب والقدس، كما تناغمتا دائماً عبر التاريخ واللغة والحضارة والقربى، فصدر قرار مجلس الأمن الذي يدين الاستيطان الإسرائيلي بأغلبية 14 صوتاً من 15، وبامتناع الولايات المتحدة لأول مرة عن التصويت لمصلحة إسرائيل من دون أن تستخدم حق النقض الفيتو كما جرت العادة. وانبرت سامنثا باور لتعدد الرؤساء الأميركان الذين أدانوا الاستيطان، ولتقول بذلك أن لا شيء جديداً في الأمر محاوِلة التغطية على إنجاز لمصلحة الفلسطينيين وصفعة للكيان الصهيوني ولكل داعميه. وهنا علينا جميعاً أن نقدّم قراءتنا للأحداث لا أن نرددّ القراءة التي يدلي بها خصومنا ومستهدفونا. فتحرير حلب إنجاز كبير لمحور المقاومة ولحلفاء سورية، ولروسيا بالذات، كقطب صاعد في النظام العالمي الجديد. وتحرير حلب هو إيذان شبه نهائي بانكسار مشروع أردوغان الذي أجرم بحق حلب خاصة، وبحق سورية وبحق جميع السوريين، ولذلك فإن المواقف الجديدة لأردوغان هي نتيجة انتصار سورية في الميدان، واضطراره إلى التراجع ربما مرحلياً عن مشروعه العثماني ريثما يعيد ترتيب أوراقه إن استطاع. ولكنّ هذا لا يعني أن الحرب الإرهابية العالمية على سورية قد وصلت إلى نهايتها المنشودة، بل يعني أننا في مرحلة متقدمة كما كان تحرير ستالينغراد إيذاناً ببزوغ فجر الانتصار على الوحش النازي، وأنّ علينا أن نحسن القراءة والتخطيط، وفهم دلالات الأمور، وفرز الغثّ من السمين من تحليلات وقراءات واستنتاجات. إذ من المؤسف طبعاً أن تُقدم دولة عربية كبرى على سحب مشرع قرار لمصلحة فلسطين، في حين تتفق دول أربع غير عربية هي نيوزيلاندا والسنغال وماليزيا وفنزويلا بتقديم مشروع القرار إلى مجلس الأمن والتصويت الذي اتّسم بالإجماع تقريباً لمصلحة القرار. هذا يُري أن العرب أو بعضهم على الأقل يخشون من دعم قضاياهم، على حين يتمتع آخرون بجرأة تدعو إلى الاحترام. من ناحية، هذا ليس سيئاً لأن القضية الفلسطينية هي قضية ضمير عالمي ويجب إعادتها إلى صدارة القضايا الدولية وخلق إجماع دولي حولها لأنها قضية عادلة يؤيدها كل شرفاء وأحرار العالم تماماً كما أيدوا شعب جنوب إفريقية في نضاله ضد نظام الفصل العنصري؛ إذ نقل قضيته إلى كلَ محفل دولي وإلى كلّ مجال من الرياضة إلى المسرح إلى الاقتصاد والصحة. وهذا بالذات ما يجب على الفلسطينيين والعرب فعله، ولكنّ هذا بحاجة إلى توحيد الصفوف وتوحيد الكلمة الفلسطينية والعربية قبل العمل على كسب مواقف الآخرين إلى جانبنا، وهنا بيت القصيد، إذ إن المعركة الأهم والأخطر تكمن هنا وفي هذه النقطة بالذات. لقد قام الاستعمار بتقسيم هذه الأمة وفق خطوط سخيفة رسمها ألدّ أعداء العرب منذ مئة عام، وهما بريطانيا وفرنسا، والتزم حكام العرب جميعاً بهذه الخطوة وأضفوا عليها قدسيّة لم يكن سايكس وبيكو يحلمان بها أبداً حين وضعا خريطتها المشؤومة. ثم بعد حرب 1973 قام حاكم واحد من هذه الأمة، وهو السادات، بتحويل مصر من بلد مستقل ذي إرادة إلى الارتهان لاتفاقيات مع الولايات المتحدة وإسرائيل حّملت الشعب المصري أعباء مازال يدفع أثمانها الباهظة إلى حدّ اليوم. وفي كل مرحلة نقرأ الدراسات الإستراتيجية وخطط مراكز الأبحاث التي تتحدث عن طبيعة ومستقبل الشرق الأوسط ولا نجد مركز أبحاث عربياً واحداً منشغلاً بكيفية الردّ أو بدراسات إستراتيجية عن مستقبل يخطه العرب لأنفسهم ويستقرئ مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، ومستوجبات هذا الصراع، وما هو المطلوب من العرب في كلّ مرحلة قادمة. وما هو الأداء المطلوب، وما الشروط الموضوعية التي تحقق المستوى المطلوب لهذا الأداء؛ هذا قبل الحدث. أما بعد الحدث فقد تُرك الشعب الفلسطيني والعربي رهينة لدعايات صهيونية مغرضة تحاول إقناع العرب بأنهم أصبحوا خارج التاريخ وأن الكيان الصهيوني أمسك بمفاتيح المنطقة، وإذ بإجماع دولي مبهر داعم للقضية الفلسطينية ويدين من أعلى منبر دولي الجرائم الاستيطانية للكيان الصهيوني.

وكآخر مثال على هذه المعركة الخطيرة والمهمة ماذا فعلت معظم بلداننا وهي تستقبل جحيماً دموياً عربياً ولذلك سماه أعداؤها (ربيعاً) يحقق أهدافهم بسفك دماء ملايين العرب، وأين هي مراكز الأبحاث والدراسات التي استقرأت إمكانية وقوع ما وقع، وأين هم المنظّرون والمفكّرون الذين تصدوا لمجرم إرهابي هو برنار ليفي واسموه فيلسوفاً وأخذ يدير الثورات المدمرة للأمة العربية من ليبيا إلى مصر وتونس؟! هل أرضنا العربية أرض يباب؟ أو إن آليات العمل المتخلفة لا تسمح بوضع الأسس السليمة لارتقاء الفكر والمفكرين ووضع الخطط وتوفير الأثمان التي تدفعها شعوبنا؟ لا شكّ أن انتصار حلب قد أثبت أن الميدان هو العامل الأساسي بتغيير المواقف السياسية، ولكن إعمال الفكر والاستقراء والتخطيط يجب أن يقود الميدان أولاً وينوّر ساحاته ويجعل خسائر المعركة أقل بكثير والانتصار أبهى وأزهى. ألم نسأل أنفسنا لماذا تلاحق «إسرائيل» وحلفاؤها العلماء والمفكرين العرب وتقتل كل من هو واعد في مجال الفكر والعلوم والتكنولوجيا، وآخرهم الشهيد الزواري الذي اغتالته في تونس ومئات العلماء العراقيين والسوريين والفلسطينيين والعرب عموماً؟ ذلك لأنهم يعلمون علم اليقين أن كلّ عالم يمكن أن يكون أمة ويمكن أن ينقذ شعباً بأكمله. ونحن نعيش نشوة انتصار سورية في حربها على الإرهاب الدولي، ونشوة انتصار فلسطين في مجلس الأمن، لا بدّ من أن نتذكر أن المعركة الأهمّ التي على العرب أن يخوضوها اليوم هي معركة إعمال الفكر وإعادة الاعتبار للعلم والعلماء، وإنشاء مراكز الأبحاث والتخطيط الإستراتيجي للأحداث والمستقبل كي لا نؤخذ على حين غرّة، وكي نقارع أعداءنا بالسلاح ذاته الذي يحاربوننا به، ولا شكّ أن سلاح العلم والبحث والاستقراء والتخطيط هو من أمضى أسلحتهم وأكثرها فتكاً بحاضر ومصالح العرب وحقوقهم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى