مقالات

تفكيك المشهد الإقليمي

يبدو المشهد الإقليمي معقداً أكثر من المعتاد، وأحد أسباب هذا التعقيد هو كثرة محاولات تغليف مجريات الأمور بأغلفة تحيد الأنظار عن الأهداف الحقيقية المرتجاة من وراء كل ما يجري على الساحة الإقليمية اليوم.

ولنبدأ من البداية، فلا شك أن الحدث الأهم اليوم الذي شهده الإقليم هو الانتخابات الإيرانية، التي كانت بحدّ ذاتها تعبيراً راقياً عن سيادة الشعب الإيراني وانتمائه المتجذّر إلى بلده وحضارته، كما كانت هذه الانتخابات خروجاً واضحاً ومشرّفاً عن النموذج الغربي الذي يدّعي لنفسه الحق الحصري للديمقراطية، والذي برهن على مدى عقود، وخاصة في الانتخابات الأميركية والفرنسية، أن المال وليس الشعب، هو سيّد الموقف في الانتخابات والسياسة.

لقد قدّمت الانتخابات الإيرانية للعالم برمته، أنموذجاً فريداً مزج بين ولاية الفقيه والقيم والأخلاق ومشاريع الإصلاح والانفتاح على الآخر، بحيث كانت مصلحة إيران ومستقبل شعبها فوق كلّ اعتبار من كلّ المعنيين بالشأن السياسي، ولا شك أن هذا ما تصبو إليه كل الشعوب الطامحة إلى العزة والسيادة والاستقلال الحقيقي.

من هذا المنظور، فإن إيران تشكّل تحدياً حقيقياً للديمقراطيات الغربية التي تطورت تحت تأثير مجموعات الضغط والمال لتصبح بعيدة عن إرادة شعوبها ومصالحها وسيادتها، كما تمثل إيران أيضاً أنموذجاً يحتذى به للديمقراطيات المعتمدة على الثقافات والهويات المختلفة للشعوب والبلدان، إذ أثبتت، كما أثبتت سابقاً كل من الهند وماليزيا وجنوب إفريقيا، أن نظام الحكم في أي بلد يجب أن يكون نابعاً من ثقافة الأمة ومتطلبات الشعب ومستقبل أجياله، ولا يمكن للوصفة الغربية التي يشوبها الكثير من العجز والنواقص أيضاً، أن تكون وصفة صالحة لشعوب وبلدان أخرى في بقاع الأرض المختلفة، خاصة بعد أن سيطرت مجموعات الضغط الفاعلة على مقاليد الإعلام والمال وآلية الانتخابات في الأحزاب والبرلمانات وتغلغلت في أجهزة الدولة.

الحدث الآخر في الإقليم، هو تجرؤ القوات الأميركية على ضرب مواقع للجيش العربي السوري تتقدم باتجاه معبر التنف السوري على الحدود العراقية، وهذا يؤكد نقطتين اثنتين: الأولى هي أن أي تقارب بين بلدين عربيين ممنوع أميركياً وصهيونياً، إلا إذا كان تقارباً تحت المظلة الإسرائيلية ولخدمة الكيان الصهيوني، ومثاله التحالف العربي الذي تقوده المملكة الوهابية لشن حروب الإرهاب على سورية والعراق واليمن وليبيا، والنقطة الثانية هي أنه كلما أحرز الجيش العربي السوري تقدماً على الأرض للقضاء على الإرهاب، انبرى الأصيل الإسرائيلي وحلفاؤه لمساندة الوكيل، وهذا ما حدث في دير الزور، وكذلك حين تم تحرير حلب من الإرهاب فأرسل أردوغان قواته خوفاً على الإرهابيين من أن يمنوا بهزيمة كاملة، واليوم وجيشنا يحرر المناطق التي قد تقود إلى فتح معبر التنف مع العراق، الأمر الذي يحقق مصالح الشعبين العراقي والسوري، تقصف القوات الأميركية الجيش العربي السوري في محاولة يائسة لدعم الإرهاب والإرهابيين.

المحطة الأخيرة في هذا المشهد اليوم، فهي زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السعودية وعقده قمة أميركية سعودية، ومن ثم خليجية، ومن ثمّ إسلامية، بعد أن روّج الإعلام الأميركي أنها الزيارة الأولى التي يقوم بها الرئيس ترامب خارج بلاده، وقد اختار الرياض لهذه المحطة تعبيراً عن العلاقات الوثيقة بين البلدين، ورغم الإهانات التي وجهها ترامب مراراً للسعودية وحكامها، أكد معلق سعودي «الدور الريادي للولايات المتحدة في المنطقة»، وأي دور ريادي هذا الذي سوف يستجمع أموال العرب وأصوات المسلمين، أو ما تيسر منهم، لخدمة الصهيونية ومشاريعها الاستعمارية في منطقتنا.

أول ما سوف تؤتي أكله زيارة ترامب، هو مئات المليارات من الدولارات، وقد رافق ترامب عدد كبير من مسؤولي الشركات الأميركية للقاء المسؤولين السعوديين ووضع الآلية لاستنزاف أموال الخليج لمصلحة الامبريالية الأميركية وربيبتها إسرائيل، والحديث عن تشكيل «ناتو عربي» هو ترجمة دقيقة للاستراتيجيات التي وضعت في الغرب لقتل العرب على أيدي العرب، وآخرها ما كتبته وزير الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت ومستشار الأمن القومي الأميركي السابق ستيفن هادلي بأن تنفيذ سياستهم في الشرق الأوسط يجب أن يعتمد على عناصر محلية وعلى أبناء شعوب هذه المنطقة، وأن يتمّ تمويل هذه المشاريع أيضاً من الدول الإقليمية.

إن تشكيل «ناتو عربي» كما يسمونه، هو كي يكون الإعلان الأخير من هذه الدول الخانعة للغرب عن سحب عدائها للكيان الصهيوني والتوقف عن المطالبة بالقدس وحق العودة وتحرير الأراضي العربية المحتلة، لا بل الاعتراف بإسرائيل كحليف ضد عدو وهمي تم تصنيعه خصيصاً لاستنزاف السعودية، ولا شك أن التطبيع مع الكيان الصهيوني سيسبق تشكيل جيش مشترك من هذه البلدان.

الهدف الأساسي إذاً هو محاولة إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي الذي سوف تتوجّه مباحثات قادمة قد خطط لها ترامب وأعوانه برعاية أميركية ومن دون وعود حتى بتجميد الاستيطان، وما التهويل ضد إيران سوى الفزاعة لاستجرار أموال الخليج، ومواقفه السياسية ضد مصلحته ومصلحة العرب جميعاً وبأبخس الأثمان، ولكن التاريخ علمنا أن إيران تخرج من المقاطعة والتهديدات أقوى مما كانت عليه وأن السهم الأساس موجه في كلّ هذا المشهد إلى العرب والعروبة والحق العربيّ الذي يأملون بتصفيته من كل محاولاتهم هذه.

أوليس أمراً مشيناً أن يتم عقد هذه الصفقات كلها على وقع آهات الأسرى الذين يقاومون بأجسادهم النحيلة عدواً غاصباً، على حين يسارع البعض الخطوات لاسترضاء هذا العدو وتقديم الخدمات المجّانية له على حساب الكرامة والحقوق والمستقبل؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى