مقالات

قراءة في العقل الإسرائيلي

لم تكن المرة الأولى التي تقابل بها «باحثة إسرائيلية» أفراداً وقياداتٍ ممن أخذوا خيار الخيانة وغلّفوه بأغلفة مختلفة، كما أكدت تسوركوب، حيث قالت: إنها كانت على تواصل مع مئات السوريين، وأجرت مقابلات مع العشرات منهم، وكانوا دائماً يصرّون على إخفاء أسمائهم، في حين كانت هي دائماً تؤكد هويتها الإسرائيلية التي لم تُخفها عن أحد منهم!! فلماذا إذاً الآن كلّ هذه المسرحية حول مقابلة إسلام علّوش؟ ولماذا كلّ هذا الترويج في صحف الكيان لهذه المقابلة؟ ولماذا كلّ هذا التركيز على اللقاءات مع هذه «الباحثة»؟ ولماذا كلّ التغطية التي حظيَ بها «جيش الإسلام» على صفحات إعلام الكيان، ومن ثمّ كلّ هذا «اللطف» الذي أظهرته تسوركوب من «مركز التفكير الإقليمي» لقاتل مجرم حيث إنها تواصلت معه واعتذرت منه أن اضطرّ للاستقالة، رغم أنه هو الذي أكد السماح لها بنشر المقابلة تحت اسمه الصريح قبل نشرها؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بدّ من إعادة ما قالته تسوركوب، وهو أن زميلاً لها من مركز أبحاث إسرائيلي آخر قد قال لها منذ بضعة أشهر: إن إسلام علوش مستعد لإجراء لقاء معها، ثمّ غاب لبضعة أشهر قبل أن يعيد التواصل ليعلن استعداده لإجراء اللقاء. وبعد أن أجرى اللقاء أكد لها أنه لا يمانع أن يُنشر تحت اسمه الصريح. أولاً إن ما يعلن عنه الإسرائيليون من علاقات مع مئات القادة و«المحاربين» أي «الإرهابيين» في سورية، يؤكّد المؤكد، وهو أن هؤلاء المجرمين يعملون منذ خمس سنوات ونيّف على تدمير البنية التحتية، والمنشآت السورية، واستنزاف الجيش العربي السوري خدمةً للعدوّ الصهيونيّ، ولا لبْسَ في ذلك على الإطلاق. إن حجم ونوع وماهيّة التدمير الذي طال سورية والعراق، وقائمة الأهداف التي وضعت للإرهابيين يؤكّد أنها أهداف إسرائيلية صرفة، وأنّ تحقيقها يخدم الكيان الصهيوني. ولا شكّ أن التواصل والتشاور بين الكيان والإرهابيين جارٍ على قدمٍ وساق، ولم يتوقّف يوماً. فما الهدف اليوم من كلّ هذه المسرحية التي تمّ عرضها بإحكام، والترويج لها على القنوات الغربية والعربية، وكلّ هذه الأضواء التي تمّ تسليطها على الحدث ودلالاته، وليس على محتواه إلا فيما يتعلّق بالعداء المطلق لحزب الله، واحتمال فتح الأبواب مع الكيان الصهيوني إذا ما تمكّن العملاء من ذلك؟

إنّ توقيت نشر هذه المقابلة، وكلّ ما دار حولها يهدف إلى إرسال رسائلَ عدّة للمتواطئين والعملاء لتطمينهم أنهم كُثُر، وأنّ قادتهم يتواصلون مع الكيان، ولتشجيع المتردّدين منهم على التواصل، وخاصةً أنّ تسوركوب «قد تعاطفت» مع «الضحية» وأبدت اهتماماً استثنائياً بتأثير هذا اللقاء في مصيره الشخصي. إذ إن هذه الضجّة التي يقصد منها الإيحاء أن المناخ التطبيعيّ اليوم بين فصائل وقادة ومئات السوريين هو أمر طبيعيّ، ويتوقّع له الاستمرار والتكثيف والتصاعد. وبهذا يكسر إعلام الكيان حاجزاً نفسياً لدى بعض ضعاف النفوس، ومن تسوّل لهم أنفسهم القيام بمثل هذا العمل من التواصل مع العدوّ، كما يؤشّر إلى خيارات هؤلاء إذا ما لفظتهم التسويات خارج الأرض التي دنّسوها بإجرامهم، فإن الخيار الوحيد الذي قد يكون متاحاً لهم هو الالتحاق بأسيادهم ومشغّليهم في هذا الكيان.

الأمر الذي لا يقلّ أهمية عن المسرحية الإسرائيلية هو ردود الفعل العربية على هذه المسرحية، وهذه الردود جديرة بأن تُحصى وتُدرس لنرى أين وصلت الاختراقات الصهيونية في الذين يدّعون الحرص على الإسلام والدفاع عنه. كما أن دراسة ردود الأفعال هذه مهمّة من أجل التخطيط لمرحلة قادمة، مرحلة ما بعد سكوت المدافع، لأن التحديّ الأساسي سيكون في ذلك الوقت الوجهة التي سوف تتخذها البلدان والأحزاب والشعوب ومواقفهم من الصراع العربي – الإسرائيلي، ومن الاحتلال للأراضي العربية، وحقّ العودة، إلى ما هنالك من قضايا شتى يحكمها جميعاً استقلال الإرادات والإيمان بالهوية. إذ لا شكّ أن كلّ الحروب ستشهد نهاية ما، ولكنّ المهمّ بعد النهاية هو الشكل الذي يتكوّن بعد انتهاء هذه الحروب، وما إذا كان شكل وهوية وطبيعة وإرادة البلد الذي عانى الحرب قد صان قيمة التضحيات، وردّ على العدوان بتجاوزِ كلّ المخططات التي استهدفته، وأثبت دوره في الإقليم والعالم بأفضل مما كان، مستفيداً من كلّ الدروس التي تعلّمها الحروب عادة، ومن بواطن الأمور التي تكشفها بشكل مباشر أو غير مباشر.

لقد أثبتت مجريات الأحداث دون أدنى شكّ المصلحة الإسرائيلية الكبرى في كلّ ما جرى للعراق وسورية من تدمير للحضارات والقوات والمؤسسات، ولكن، بشكل خاص، كانت المصلحة الإسرائيلية والدور الإسرائيلي واضحَين بشكل لا لبْسَ فيه في الجولان السوري المحتل. ولم تكن الإدعاءات الإنسانية بمعالجة الجرحى في وقت مبكّر من هذه الحرب سوى وجه من أوجه التعاون المطلق بين الكيان وأعوانه الذين ارتكبوا أبشع أنواع الجرائم بحقّ سورية وشعبها. ولكنّ مسرحة لقاء علّوش على الإعلام الإسرائيلي والغربيّ، وقصور ردود الفعل العربية المناسبة عليه، يؤشر إلى طموحات الكيان بمرحلة جديدة من التطبيع والتفاعل مع العملاء، والتعاون معهم إن أمكن للعب دور في تحديد وجهة الإقليم. وربما ليس من المصادفة أن اسم المركز الذي أجرى المقابلة مع علوش هو «مركز التفكير الإقليمي»، لأنه يفكر للعملاء وبدلاً منهم لصياغة مستقبل الإقليم، غير مدرك أن الأحرار والمقاومين والمنتمين الحقيقيين لهذه الأمة العريقة سيكونون لهم بالمرصاد. بعد أن روى الشهداء الأرض بدمائهم، وقدّم الجرحى جسدهم الغالي فداء الوطن، لا بدّ من استكمال هذا المسار المشرّف، من خلال الإعداد المتميّز لصياغة المرحلة القادمة، والتي من الواضح أن العدوّ الإسرائيلي بدأ بالتمهيد لها.

هنا تكمن مسؤولية الأحرار من النخب العربية، الذين يجب أن ينخرطوا في عمل دؤوب وتفكير مستمرّ للاستفادة من كلّ ما جرى، وتوظيف كلّ التضحيات والأحداث لمصلحة بناء أوطان أكثر صلابة ومنعة وأشدّ مقاومة للعدوان والاحتلال والخيانة والتواطؤ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى