مقالات

قواعد العدوان وحماية المدنيين

قالت مندوبة المملكة المتحدة البريطانية في مجلس الأمن في إشارة إلى العدوان الثلاثي الذي شنّته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على سورية: «إن ما فعلناه مع الولايات المتحدة وفرنسا هو النهوض بالنظام الدولي القائم على القواعد»، وذكّرت أننا نعيش العيد المئة لنهاية الحرب العالمية الأولى، ولكنّ قواعد العدوان الاستعماري على شعوب العالم من هذه الدول الثلاث، المعروفة بحروبها الظالمة وبجرائمها الإرهابية ونهبها لثروات الشعوب، مازالت هي ذاتها. جاء هذا التصريح البريطاني خلال جلسة لمجلس الأمن تحدّث فيها مندوبو بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة عن إدلب السورية أحاديث تكشف إما عن جهلهم المطبق بالواقع في سورية، وإما عن غريزة شريرة تمتلكها الدول التي تبدي عزمها على استمرار استهداف السوريين، ومحاولة الحؤول دون تحرير تراب بلادهم من الإرهاب الذي استقدمته تلك الدول الثلاث بالتعاون مع الكيان الصهيوني، وبتمويل من دول الخليج، وباستخدام كلّ التسهيلات من حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. بالطبع تكرر هذا السيناريو كل مرة عندما يحرر الجيش العربي السوري مدينة سورية من الإرهاب، وكلنا يتذكّر دموع التماسيح الغربية على درعا والدير وحلب وإلخ… القارئ لكلّ ما عبّر عنه هؤلاء في مجلس الأمن لا يملك إلا أن يتساءل: أولا يخجل هؤلاء المتحدثون من الحديث عن «حماية المدنيين» وهم الذين استقدموا البلاء ضدّ كلّ الشعب السوري من مدنيين وعسكريين؟ أولا يتردّدون في وضع كلّ إمكاناتهم الدبلوماسية في خدمة حفنة من الإرهابيين رفضت المصالحات في كلّ أنحاء البلاد واختارت إدلب مقراً أخيراً لها لكون إدلب قريبة من الحدود التركية، ولكون أردوغان ومن اليوم الأول، الراعي الأساسي والأهمّ لهذه الحرب الإرهابية القذرة على الشعب السوري ومقدراته؟ حتى وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قال للصحفيين في طريقه إلى باكستان: «إنّ التصريحات الروسية بصدد وجود إرهابيين في إدلب صحيحة»، مضيفاً: «نشارك روسيا مخاوفها بشأن الإرهاب القادم من شمالي سورية وشمال غربها، ونتفق تماماً معهم حول وجود إرهابيين في تلك المناطق، ونرى ضرورة للتفرّغ لهم ومكافحتهم، حتى لا يصدّروا الإرهاب إلى كلّ أنحاء العالم». ولكنّ سفيرة الوزير بومبيو إلى الأمم المتحدة نيكي هيلي، التي تزايد على الصهاينة أنفسهم بصهيونيتها المعادية للعرب، قد فتحت حساباً خاصاً في السياسة لا يتواءم مع موقف وزير خارجيتها، وكأنها تمثل كياناً إسرائيلياً آخر، وليس الولايات المتحدة الأميركية، حيث قالت: «يتعيّن على النظام السوري وأنصاره أن يوقفوا حملتهم العسكرية بكل أشكالها على إدلب»، وحذّرت من ردود عسكرية في حال الهجوم على إدلب وكأنها وزيرة للدفاع تعمل على شنّ الحروب بدلاً من استخدام الدبلوماسية التي يفترض أن تكون مهنتها. أما وزير خارجية نظام أردوغان فيعبّر عن استيائه لأن هدف الهجمات على إدلب سيكون «السيطرة عليها»، ويقصد تحريرها وعودتها إلى وضعها الطبيعي، على حين مازالت القوات التركية المعتدية تحتلّ أجزاء عزيزة من التراب العربي السوري. ولا يساورهم الخجل من التدخل بعمل حكومة وجيش يحاولان دحر الإرهاب عن تراب بلادهم. إن مراجعة سريعة لمداولات مجلس الأمن بشأن إدلب هذا الأسبوع تذكّرنا بمداولاتهم حين عُقد العزم على تحرير حلب وتحرير الغوطة وتحرير الدير وجنوب سورية من دنس الإرهاب؛ إذ أثاروا حملة مسعورة في كلّ مرة محاولين دعم بقاء الإرهاب والإرهابيين وإصدار التهديدات لمنع الجيش العربي السوري من تحرير أرضه من وكلائهم وأعوانهم ومرتزقتهم، وفي كلّ مرة انتصر الجيش على الإرهاب رغم كلّ دعمهم وأموالهم وترويجهم لهؤلاء المرتزقة من الإرهابيين والخوذ البيضاء. إن القارئ بعمق لكلّ ما جرى من مداولات في مجلس الأمن يشعر بأن القوى الاستعمارية الغربية تعيش خارج التاريخ، وأنها رغم بلوغ الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى لم تتعلّم شيئاً من مجريات الحروب، ولم تقتنع بعد أن إرادة الشعوب لا تقهر، وأنّ هذه الإجراءات العدوانية الظالمة التي تتسبّب بزهق أرواح مئات الآلاف من الأبرياء لن تتمكّن من تغيير مسار التاريخ أبداً لأن التاريخ يصنعه المؤمنون به والمدافعون عن قضاياهم بشرف وإخلاص، أما المعتدون والآثمون فقد كان مصيرهم دائماً الاندحار، والعاقبة دائماً للمخلصين وأصحاب الحقّ.

حتى وقت قريب كنت أشعر وأنا أقرأ تصريحات مندوبي هذه الدول حول ما يجري في بلدي العزيز سورية، كنت أشعر بالغضب من أكاذيبهم ومواقفهم وإجراءاتهم. أما اليوم، فقد شعرت وأنا أقرأ مداولاتهم وإصرارهم على اختيار العبارات التي تنضح بنفاقهم «من حماية المدنيين» إلى «حماية المواطنين السوريين»، شعرت أنهم بالفعل خارج التاريخ، وأنّ هذه المداولات تكشف عن انفصامهم الكامل عن واقع الحال وعن مجريات الأمور الميدانية والحقيقية في بلدي وفي سائر البلدان. فهم الذين وضعوا خطة الحرب الإرهابية على الشعب السوري، وهم الذين درسوا وموّلوا وسلّحوا الإرهابيين، وهم من نشر الإرهاب الذي يهدّد وجودنا، وهم اليوم متورّطون في الإرهاب على أهلنا في إدلب الذي يهدّد مناطق تتجاوز حدود المدينة والمحافظة وتصل فعلاً إلى المدنيين في محافظات أخرى. والأسوأ من كلّ هذا وذاك أن يدلي الأتراك بتصريحاتهم وهم يحتلّون أرضنا وأن يتحدثوا للعالم عن حرصهم على الشعب وعملائهم المرتزقة الذين يسمونهم «المعارضة». لقد دفع الشعب السوري ثمناً باهظاَ في محاربة ودحر الإرهاب العالمي الذي اختلقوه وصدّروه لنا، ومولوه وسهّلوا وصوله إلينا، ومازال أعزّ شبابنا يقضي في القامشلي ومحردة مؤخراً، ومن المدنيين والعسكريين بسبب إرهابهم هذا. لقد قضت عائلة كاملة في محردة من المدنيين بسلاح إرهابييهم، كما قضى شباب بعمر الورود في القامشلي بغدر أدواتهم المجرمة من المرتزقة الذين جندوهم للسيطرة على الأرض والنفط والاستيلاء على ثروات البلاد. لقد انقضى الزمن الذي كان العالم يستمع إلى ما تقولون أيها المستعمرون، ولم يعد أحد يأخذكم على محمل الجدّ، واليوم نقرأ ما تقولون فقط لنكتشف مدى نفاقكم ومتاجرتكم بدماء الملايين من المدنيين من أجل الاستمرار بقواعد عدوانكم التي أرسيتموها من خلال حربين عالميتين راح ضحيتهما عشرات الملايين من المدنيين عبر العالم، ولكن لديّ خبر صغير لكم: لقد تغيّر العالم دون أن تدركوا ذلك، وأصبحت كلماتكم جوفاء صادرة عن إعلام كاذب يتاجر بدماء الشعوب المسالمة. لقد فقدتم المصداقية فعلاً، وكان لشهداء سورية الأبرار الفضل في دقّ آخر إسفين في نعش إمبراطورياتكم القائمة على قتل الشعوب ونهب ثرواتها والآيلة حتماً إلى السقوط والزوال.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى