مقالات

لكلّ رئيس حربُه!

منذ عقود والوطن العربي ينشغل بالانتخابات الأميركية، ويبني آمالاً وتوقعات على سمعة رئيس مرشح، وإيمانه بالحقوق والعدالة، وتتراكم الأحلام حول اقتراب حلول لقضايا العرب العادلة، وفي كلّ مرّة ينهي الرئيس الأميركي ولايته، إمّا بمبالغ طائلة من المال مخصصة لتعزيز الاحتلال وتمتين إجراءاته الاستعمارية، وإمّا ببناء آلاف المستعمرات، وقضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية بعد هدم البيوت، واقتلاع أشجار الزيتون، وتهجير الفلسطينيين من أرضهم تنفيذاً لخطط شيطانية وُضعت، ويتمّ تطويرها واختراع أساليب جهنميّة لتنفيذها.

فحين أتى إلى الحكم الرئيس بوش الأب، هلّل بعض العرب له أن لهم صداقات، وحتى شراكات مع البوش، وأن هؤلاء يفهمون القضايا العربية ويتخذون مواقف ممتازة منها فكانت حرب الخليج الأولى في كانون الثاني عام 1991 التي أظهرت محارق لجنود عراقيين منسحبين من الكويت، فتمت إبادتهم في مشاهد مؤلمة وغير مسبوقة، في تاريخنا الحديث.

وتلا ذلك ما تلاه من رفع الحظر على الطيران العراقي بحيث قصف صدام كل القرى والمدن التي كانت على وشك إزاحته، وتمّ الاحتفاظ بصدّام إلى حلقة أخرى من مسلسل تدمير بلد عربي عُرف بطاقاته المادية والبشرية الفريدة.

ثم أتى جورج بوش الابن، ورغم كل البراهين، والحقائق التي أكدت أن العراق لا يملك أسلحة دمار شامل فقد كان مخططاً ضرب العراق على الطاولة مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، مع أن العراق والعراقيين لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بأحداث الحادي عشر من أيلول، وقد تكاتفت في ذلك الوقت، أصوات أوروبية وأميركية داخل مجلس الأمن وخارجه وأحدثت جلبة وتعمية للرأي العام العالمي أظهرت وكأن ضرب العراق ضرورة حتميّة لحماية الأمن والسلم الدوليين.

كانت الخطوة الأولى في تدمير بلد عربي يفخر كل عربي به هي حلّ الجيش العراقي والشرطة العراقية، وإدخال العراق في أتون فوضى، ما زال أبناؤه يدفعون ثمنها إرهاباً وفقراً، وانسداد أفق المستقبل، وقد ظهر بعد ذلك ما يؤكد أن لا علاقة لتلك الحرب بأسلحة الدمار الشامل، ولا بأمن واستقرار العالم، ولكنّ كلّ العلاقة هي مع تدمير جيش من أقوى الجيوش العربية، وبلد علماني عروبي مؤهل أن يكون جبهة منيعة في وجه إسرائيل والصهيونية الطامعة بأرضنا من الفرات إلى النيل.

وأتى بعد ذلك إلى الحكم باراك حسين أوباما، وألقى محاضرة في جامعة القاهرة وتغنّى الكثيرون بأصوله المسلمة ومعرفته بمعاناة الآخرين من الظلم والاضطهاد، وأنه مرشح أن يغيّر سياسة الولايات المتحدة بما ينصف المظلومين ويُعيد الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، ولكن وبدلاً من ذلك خّصص كلّ قواه لشن الحرب التي تّمت تسميتها «الربيع العربي» والتي برهن على أنها خطة تدمير شاملة لبلدان عربية عدّة، ولم يتوانَ أوباما في حربه عن قصف ليبيا بهدف تدمير نظام الحكم والبنية التحتية فيها وانفلات الأمور من عقالها، كما دعم الإرهابيين في سورية بالمال والسلاح ودعم الحرب السعودية الغاشمة على اليمن الشقيق التي تم توريط السعودية بها لاستنزافها، ووهب قبل مغادرته ثمانية وثلاثين مليار دولار للكيان الصهيوني دعماً في قمع وقتل الفلسطينيين، وهدم منازلهم، وقضم أراضيهم، وبناء المستعمرات الصهيونية عليها، وما امتناع الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة عن استخدام حق الفيتو للقرار 2334 المتعلق بالاستيطان إلا لمعرفتهم بأن كلّ هذه القرارات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولن تقدّم أو تؤخّر في وجهة هذا الصراع.

في الوقت ذاته الذي بنى به العرب آمالاً على امتناع الولايات المتحدة من استخدام حق الفيتو وسماحها للقرار أن يمرّ، كان بعض العرب منشغلين أيضاً بالترحيب بظاهرة جديدة يقودها رجل أعمال أميركي سيصبح رئيساً للولايات المتحدة اسمه دونالد ترامب.

تغنى الكثيرون بهجوم ترامب المستمرّ على المؤسسة الإعلامية الأميركية وخروجه عن المألوف في خطبه وأحاديثه وأساليبه، ولم يمض إلا بضعة أسابيع على دخوله البيت الأبيض إلا وبدأنا نشهد إجراءات تقرّب وتعامل حميمي مع الكيان الصهيوني، ودعم لفكرة نقل السفارة إلى القدس وبياناً فهم الإسرائيليون منه ضوءاً أخضر للمضيّ قدماً بحركة استيطانية نشطة، وزيارة مرتقبة لنتنياهو إلى البيت الأبيض، إضافة إلى ما يُشاع في اليوتيوب أن الكيان الصهيوني لم يعد بحاجة إلى إيباك لأن وجود ترامب في البيت الأبيض اليوم يعني وجود اللوبي هناك.

سواء صدق هذه الاستقراء بشأن الرئيس ترامب أم لم يصدق، فإن دراسة تاريخ رؤساء الولايات المتحدة تبرهن بما لا يقبل الشك أن لكل رئيس حربه الخاصة، وأن الموجّه الأساس لسياستهم هي مصالح الولايات المتحدة وتعزيز القوة الضاربة للكيان الصهيوني في محيطه العربي سواء من خلال الدعم المباشر وتعزيز الاستيطان أم من خلال بث الفوضى في العالم العربي وشرذمة أقطاره وزجها في حروب أثنية وطائفية، أو عبر إرسال جيوش إرهابية، وإنهاك جيوشها في محاربة هذا الخطر المختلق لها بشتى الأساليب والسبل، فما حرب ترامب القادمة؟

يبدو أنه وبعد إنهاك الدول العربية الأساسية وتدمير جيوشها ونهب طاقاتها تتجه أنظار الإدارة الأميركية الجديدة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي برهنت منعتها واستقلالية قرارها، ويبدو أن عدم رضى نتنياهو عن الاتفاق النووي الإيراني، سيؤخذ بكامل الجدية من إدارة ترامب، فكما الإدارات الأخرى، تعتبر خدمة «إسرائيل» من أولى أولوياتها.

بالطبع فإن الدول المتحالفة مع إسرائيل ستبدأ بالتهليل والترحيب لمثل هذه الحرب المجنونة وستستخدم مواردها لشنها من جهة، ولتوجيه الضربة الأخيرة للوجود العربي في المنطقة من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى