مقالات

مجتمع دولي وهيئات دولية

لا جرم أن الأمم المتحدة اعتُبرت من أهم إنجازات البشريّة بعد الحرب العالميّة الثانية حيث اعتقدت الشعوب أنه قد تمّ تشكيل نواظم تمنع الحروب، أو تضع حدّاً لها في حال نشوبها، مع قوانين ومواثيق لفكّ النزاعات. واعتُبِرَ إنشاء هذه المنظمة الدوليّة من أهم النتائج الإيجابيّة التي تمخّضت عنها حربان عالميتان كلفتا البشرية ملايين القتلى ودماراً غير مسبوق في بلدانٍ شتى. ولكن وبعد ستين عاماً ونيّف من مراقبة أداء هذه المنظمة وقياس نتائج أعمالها على الأرض أصبحت اليوم في عداد الأوهام الجميلة لا يعلق أحد عليها أملاً حقيقيّاً سواء في فضّ النزاعات أو في معاقبة الجناة أو في نصرة المظلومين. وإذا كان الغرب المروّج الأول لمقولة «الأفعال تتحدث بصوتٍ أعلى من الكلمات» فإن شعوب الأرض قد طبّقت هذه القاعدة بشكلٍ عفوي على الأمم المتحدة ورأت أن نتائج أعمالها لا تتسق إطلاقاً مع ميثاقها ومقاصدها وحتى القرارات الصادرة عنها. فها هو الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين يسرح ويمرح بعد عشرات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، وبعد أن اتخذت الولايات المتحدة الفيتو عشرات المرات، ليس من أجل حفظ الأمن والسلم الدوليين كما نصّ الميثاق، وإنما من أجل الإمعان في قهر شعب وإعطاء الوقت والمدد لمن يسلبه أرضه وتاريخه وهويته بقوة السلاح والقهر. وهذا التوصيف اليوم أصبح من المسلمات لدى كل متابع حقيقي للشأن الدولي ولدى كلّ صاحب قضيّة تشغل باله وتقلق ضميره.

ولكنّ الجديد في الموضوع اليوم، وربما منذ الحرب على أفغانستان واحتلال العراق عام 2003، هو أن التناقض المقيت أصبح مفجعاً بين أداء الأمم المتحدة السياسي والتباكي الذي تمارسه هيئات الأمم المتحدة على الأطفال والنساء والشعوب المهددة بالجوع والفقر. ولا أدلّ على ذلك مما حدث مؤخراً بشأن اليمن. ففي الوقت الذي اتخذ فيه مجلس الأمن قراراً يضع الضحيّة تحت الفصل السابع ويمنع عنه استقدام الأسلحة للدفاع عن نفسه ترك الحبل على غاربه لمن يقصف هذا الشعب ويدمّر مؤسساته ومشافيه ومطاراته وبنيته التحتيّة من دون أي ذنب ارتكبه. وما أن أصبح الدمار شاملاً والوضع الإنساني لا يطاق إلى أن خرج علينا ممثلو الإغاثة في هيئات الأمم المتحدة يتباكون على الشهداء وعلى اثني عشر مليون يمني مهددين بالجوع ويعرضون على الشاشات مناظر صناديقهم المشؤومة والتي أصبحت كالغراب لا تحطّ في ديار إلا بعد أن حلّ بها الخراب والموت والشؤم.

والسؤال هو لماذا لا تمارس هذه المنظمة الدولية الإرادة في معاقبة الجناة، وتمنع الضرر عن المتضررين والمظلومين سياسيّاً، قبل أن تتوجه إليهم إنسانيّاً؟ أم إن الذرائع الإنسانية لهذه المنظمة قد وُجدت كي تبرّر تجاهلها السياسي لما يمكن فعله من إطفاء للحرائق وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح؟ ومن قال لهم إن هؤلاء البشر، الذين يتمتعون بإحساس عالٍ من الكرامة واحترام الذات، فرحون بصناديقهم هذه والتي هي مؤشر دمار وموت وقهر للكرامة؟ وخاصة أن هذه الصناديق تصل غالباً إلى شعوب حضارية اخترعت أساليب إطعام العالم، وعلّمت الإنسانية الزراعة والصناعة ونشرت القيم الأخلاقية باحترام الكرامات وعدم إهانة البشر. المراقب للمفارقة يكاد يعتقد أن هدف هذه الحملات المسماة الـ«إنسانية» تكاد تكون التغطية على التواطؤ السياسي، أو على الأقل «العجز» السياسي عن مناصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالم. فليعلم هؤلاء أن هذه الخدمة لا تنطلي على أحد ولا تسكن جراح متألم أبداً. والعمل الوحيد المقبول هو الوقوف في وجه العدوان وردع المعتدي وإحقاق الحقّ ودحر الباطل بكل الوسائل الممكنة، وليكن الذراعان السياسي والقانوني لهذه المنظمة هما اللذان يعيدان لها مكانتها ودورها إذا كان هذا ما زال ممكناً!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى