مقالات

ملامح عصر جديد (2)

ضمن عواصف التصريحات المنافقة التي تصدرها الأطراف، والدول التي استهدفت سورية وأمنها واستقرارها منذ اليوم الأول من هذه الحرب الإرهابية عليها، يصعب جداً على المتابع أن يفرز الغث من السمين وأن يصل إلى حقيقة ما يجري اليوم على أرض سورية، وفي الإقليم والعالم، ولكن إذا احتفظ بالقناعة أن النفاق هو سيّد الموقف يمكن له أن يبدأ بتلمس بعض سبل الحقائق على الأرض.

لتكن البداية من تصريحات دافيد ساترفيلد، القائم بأعمال نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى خلال استجوابه من النواب بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ حول سورية، حيث أكد أنه لن يكون هناك أي انتصار عسكري في سورية من دون تحقيق الانتقال السياسي بالبلاد، وحين سأله أحد النواب حول كيفية تقليل تأثير روسيا على نتائج المحادثات السورية ردّ ساترفيلد، قائلاً: «الولايات المتحدة لديها عدة وسائل وأدوات في هذا الشأن مؤكداً عدم اعتراف الولايات المتحدة بأي انتصار سواء لموسكو أم النظام».

إذاً المشكلة التي تعانيها الولايات المتحدة في سورية هي انتصار سورية وحلفائها في هذه الحرب التي فرضت عليها، وكل ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم داخل سورية، أو في الإقليم، يهدف إلى تقويض هذا الانتصار واستمرار استنزاف الجيش السوري وحلفائه بذرائع واهية لا تمتّ للمنطق بصلة، ويبقى هدفهم النهائي تغيير النظام واستبداله بنظام يكون فيه لعملائهم دور يخدمون من خلاله المصالح الإسرائيلية كما حدث في ليبيا، كما يسعون في اليمن والعراق.

السؤال الآخر الذي يطرح نفسه هنا هو: من صاحب العداء المستميت لانتصار سورية وحلف المقاومة في هذه الحرب؟ أو ليس هو الكيان الصهيوني الذي أصبح اليوم ممثلاً تمثيلاً أكيداً بنشاطات البيت الأبيض، وقرارات الرئيس دونالد ترامب التي تساهم في عزلة أميركا عن العالم، وتطابق الرؤى بينها، وبين الكيان الصهيوني في الأهداف وحتى في أسلوب مقاربة هذه الأهداف. وها هو ساترفيلد مرة أخرى يصرّح في هذا الإطار: «أينما كانت الأنشطة الإيرانية السيئة فسنتولى أمرها ليس في سورية فحسب بل في العراق واليمن والخليج، وفي غيرها من الأماكن لما في ذلك من تأثير على مصالح حلفائنا ومصالحنا القومية».

من الحليف اليوم للولايات المتحدة؟ في ضوء موقف الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، وفي ضوء الفرقة الواضحة بين هذا الموقف، وموقف الأوروبيين، الحلفاء التقليديين، للولايات المتحدة، لم يبق لدى الولايات المتحدة من حليف أكيد سوى الكيان الصهيوني، ولا يمكن لدول مثل السعودية وقطر، وبقية الجوقة السائرة بخنوع في الركب الإسرائيلي أن تعتبر حليفة بل تابعة، وتقوم بدورها المرسوم وحسب.

من هنا يجب إعادة النظر في الحرب الإرهابية التي تمّ شنها على سورية من أدوات الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة من عصابات إرهابية متعددة الأسماء والأشكال ووصول هذه الحرب الإجرامية إلى طريق مسدود وهو ما استدعى أن تنفض الولايات المتحدة الغبار عن عملاء لها سمتهم «معارضة» وما هم إلا خونة بكل المعايير بما فيها القانون الأميركي، وأخذت تعيد استقبالهم اليوم في واشنطن يخدمون وفق المطلوب منهم ضد مسارات جنيف، وأستانا، وسوتشي، وضد السير بأي حلّ سياسي، من أجل تقويض جهود روسيا وإيران السلمية من جهة واستمرار حرب الاستنزاف ضد الشعب السوري من جهة أخرى، ولم يقصّر هؤلاء العملاء بالتصريح بأن «إسرائيل هي الصديق الحقيقي للشعب السوري» وأنه «يبارك الضربات الإسرائيلية على وطننا سورية» ويطلب منها المزيد.

ما تحاول فعله الولايات المتحدة اليوم في الشمال الشرقي السوري ليس مسألة كردية، وإنما تستخدم بعض المرتزقة، أكراداً وعرباً، من أجل استمرار الحرب الإرهابية التي بدأتها بأدوات مختلفة ويتمّ اليوم تغيير الأدوات من أجل منع الانتصار النهائي للجيش العربي السوري وحلفائه، وما يحاول رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان فعله أيضاً مرتبط بدور أردوغان في بداية هذه الحرب من تمرير لآلاف الإرهابيين المسلحين، استبدلهم اليوم، بعد هزيمتهم بجيشه النظامي، لتحقيق الأهداف ذاتها التي كان يسعى إليها.

في غمرة هذا وذاك يتمّ اختلاق المشاكل داخل إيران، الحليف الأكيد لسورية والمقاومة، ويتمّ أيضاً إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، وتغذية استمرار الفرقة في الصف الفلسطيني بما يخدم مخططات الكيان وحليفته الأكيدة الولايات المتحدة.

إذا لا أهمية اليوم لأسماء تنظيمات الإرهابيين من هزم منهم ومن بقي، لأن السيناريو الجديد للولايات المتحدة هو محاولة منع روسيا من استكمال جهودها الحميدة في التوصل إلى حلّ سياسي، وإغداق المعونة على عملاء الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من الخونة والمرتزقة، وضمان استمرار أوار الحرب في عدة مناطق في سورية لإشغال الجيش السوري وحلفائه، ومحاولة ترتيب الإقليم بما يخدم المصلحة الإسرائيلية البحتة اليوم وغداً.

ملامح العصر الجديد اليوم تبدأ بالتطابق الكامل بين جهود الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ومحاولة تقويض الجهد الروسي في أي مكان، ومنع التوصل إلى حلّ سياسي في سورية كي يستكمل مشعلو هذه الحرب محاولاتهم في تحقيق الأهداف التي بدؤوا الحرب من أجلها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى