مقالات

من موسكو

في عالم تتلاطم فيه الأمواج، وتتسارع الشائعات والأكاذيب لتحلّ محل الحقائق، وتتّخذ مركز الصدارة في أهم وسائل الإعلام العالمية، في مثل هذا العالم، تشعر براحة مطلقة وأنت تجالس أصدقاء وحلفاء وشركاء يتقاسمون معك المبادئ والقيم والأخلاق، ولا يناقشون في بديهيات المبادئ والأهداف.

وأنت تسير في جدول الأعمال بكلّ سلاسة ويسر، لأن الجميع يعني ما يقول، ويفعل ما يعد به ويتبناه، تنتبه على المصدر الأساسي لمتاعبك وصعوباتك في المقلب الآخر، وتتذكر أن سبب كلّ الجدل العقيم الذي ينفق معظم المسؤولين وقتهم به، هو الافتقار إلى الصدق والتناقض الصارخ بين النيات الحقيقية وبين ما يظهرونه للملأ على أنه نياتهم وأهدافهم. وهنا تشعر أين يكمن الخطأ في عالم اليوم، وما المصدر الأساسي للمتاعب التي تتراوح بين قتل الوقت في مجادلات يجب ألا تكون أصلاً وبين زهق أرواح بريئة، وتدمير بلدان، وحرمان أجيال من حقّ التعليم والحياة الحرة الكريمة.

في موسكو، التقى وزراء خارجية روسيا الاتحادية، والجمهورية العربية السورية، وجمهورية إيران الإسلامية، وكان واضحاً، ومن دون الحاجة لتأكيد أو شرح، أن الجميع ينطلق من الإيمان المطلق بسيادة الدول، ورفض التدخل الخارجي، وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الإملاءات الخارجية، ورفض حيازة الأراضي بالقوّة، والانتصار للشعوب المظلومة، والحقوق المهدورة والمستباحة. وحين يبدأ النقاش من كل هذه المنطلقات الأساسية ووحدة في الفكر والقيم والأخلاق، لا يجد صعوبة أن يحلّق في فضاءات إقليمية وإستراتيجية تبصر سمات المستقبل القادم وتستشعر روحه وتوجهاته.

تبحث في مثل هذا اللقاء عن المنغّصات التي تسببها في العادة نظرات ومشاعر الهيمنة والاستعمار والاستعلاء، فلا تجد لها مكاناً مطلقاً، وتتذكر كم هو بغيض ذلك الشعور العنصري الذي يملي عليك في كل حدث ومفصل أن تثبت براءتك، أو أن تبرهن على أن ما تقوله يعبّر عن واقع وحقيقة، وفي ذلك انتقاص لمكانتك الإنسانية ونديتك التي من المفترض أن تكون أمراً بديهياً.

في اجتماع موسكو، بدت لي ملامح العالم القادم الذي نأمل أن نورثه لأولادنا وأحفادنا، عالم خالٍ من العنصرية والاستكبار، عالم يتميز سياسيوه وإعلاميوه وسكّانه بالصدق واحترام إنسانية الإنسان، بغضّ النظر عن لونه، أو جنسه، أو دينه. عالم يشعر سكانه جميعاً، وفي كلّ أرجاء المعمورة، بالانتماء إليه والحرص على ألقه وازدهاره. عالم يتذكر الجميع فيه أن اختلاف ألسنتنا وألواننا هي من آيات اللـه في الخلق وليست دليلاً على تفوّق عرق على آخر، أو جنس على آخر، أو أمة على أمة أخرى. إذ رغم كل الادعاءات الغربية وإعلامهم الذي أصبح أقرب إلى الشائعة منه إلى الإعلام الحقيقي الذي يحمل المعلومة، رغم كل هذا، فإن حقيقة الأمر هي أن التعامل الغربي مع معظم دول العالم هو تعامل عنصري استعلائي يطمح إلى زيادة تفوق الغرب ومصادر خيراته على حساب أمم وشعوب الأرض.

في قبسٍ من عالم قادم، شعرتُ أن تضحيات شهدائنا وجرحانا لم تكن فقط من أجلنا نحن في البقعة الجغرافية العزيزة التي هي الوطن، بل كانت من أجل عالم أفضل لجميع البشر في كل مكان، وفي الآتي من الزمان أيضاً. في قبسٍ من عالم المستقبل، تأكدت أننا نعيش مرحلة تاريخية صعبة نتيجة الانفصام بين الأقوال والأفعال لدى الطرف الذي يصارع اليوم من أجل الإبقاء على إرثه الاستعماري وأسلوبه المعهود في إذلال الشعوب وتدمير حياتها كي يسلبها ثرواتها، ويراكم ثرواته ورفاهته الاقتصادية.

في قبسٍ من مستقبل الأبناء والأحفاد، شعرتُ أن المعركة التي نخوضها اليوم هي معركة حتميّة، وأنها في النهاية لخير الإنسانية ورفاهيتها ومستقبل أجيالها. وفي لقاءٍ بنّاءٍ وغنيٍّ ومفيدٍ شعرت أن العالم كله يتوجّه إلى رفض نهائي للهيمنة وتأسيس علاقات دولية على أسس النديّة والاحترام والمصالح المتبادلة.

وفي كل زمان ومكان لا يغيب عن بالي أبداً أن أترحم على أرواح الشهداء، وأتمنى الشفاء للجرحى لأن دماءهم ومعاناتهم هي المشعل الحقيقي الذي أضاء درب الحرية والكرامة. ولا أنسى أن أحيي كل من آمن بحتمية الانتصار، رغم كل العثرات والصعوبات، وعمل جاهداً من أجل هذا الانتصار مقدّماً من نفسه، أو ماله، أو جهده، أو حتى صلواته لله، من أجل الخاتمة الحميدة لهذا الاستهداف الشرس. أما المتواطئون والخونة وتجّار الأزمات ومستقدمو الأعداء إلى أراضيهم، فسيتكفل بهم التاريخ ويرميهم في المكان الذي سبقه إليه أمثالهم، حيث لا أثر لهم ولا ذكر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى